متلازمة ستوكهولم .. القصة الحقيقية خلف هذا الإسم

متلازمة ستوكهولم

معضمنا سمع عن متلازمة ستوكهولم “Stockholm Syndrome”. سواء من خلال أفلام الإختطاف و السرقات، أو حتى من خلال متابعتنا لأحداث اختطاف واقعية. متلازمة ستوكهولم هي الحالة النفسية التي تلاحظ في الرهائن الذين يقضون وقتا طويلا مع آسريهم، بحيث ينشأ بينهم نوع من التعاطف و المودة. 

متلازمة ستوكهولم

كثيرة هي الوقائع التي حضر فيها هذا المصطلح. لعل أبزهم قضية “باتي هيرزت Patty Hearst” وريثة صحيفة “كاليفورنيان” الأمريكية و التي اختطفت سنة 1974 من طرف ميليشيا ثورية. و قد أظهرت تعاطفا كبيرا مع مختطفيها لدرجة مشاركتها معهم في سرقة أحد البنوك. قبل أن يتم اعتقالها و يحكم عليها بالسجن. و خلال المحاكمة أكد محاميها أن موكلته البالغة من العمر 19 سنة تم غسل دماغها و عانت من متلازمة ستوكهولم. في سنة 2006 تم طرح المصطلح من جديد في واقعة الطفلة النمساوية “ناتاشا كامبوش Natasha Kampusch”. و كانت قد اختطفت ناتاشا سنة 1998 و هي تبلغ من العمر 10 سنوات. قام مختطفها “وولفغانغ بريكلوبيل Wofgang Priklopil” بإحتجازها في قبو لمدة 8 سنوات.

حسب ما نقلته الصحافة فإن ناتاشا حزنت بشدة عند سماع خبر انتحار آسرها، و زيادة على ذلك زارته و هو يرقد في المشرحة حاملة شمعة في يدها. فيما يبقى مصطلح متلازمة ستوكهولم منتشرا و معروفا بين الكثير من الناس، فإن الحادث الذي أسفر عن نشأته يبقى نسبيا غير معروف لدى الغالبية. لهذا دعونا نتعرف على القصة المثيرة خلف هذا المصطلح. 

في صبيحة الـ 23 من أغسطس سنة 1973، ” يان اريك أولسن” مدان هارب يعبر شوارع مدينة ستوكهولم بالسويد. متجها نحو بنك “سفريجيس كريدبنكين” في ساحة نورمالستورج الراقية. عندما دخل البنك المزدحم أخرج من تحت سترة يحملها في يده سلاحا نصف ألي. و بدأ يطلق الرصاص على السقف و هو يقول بكلمات انجليزية “الحفلة بدأت للتو”. 

لم يعقه سوى رجل شرطة استجاب لإنذار من داخل البنك، لكنه عاد أدراجه بعد أن أصيب بطلق ناري. بعدها أخد السارق 4 موظفين كرهائن و ترك الباقين احرار ليغادروا . كان ” يان اريك أولسن” هاربا محكوما عليه بعقوبة ثلاث سنوات بتهمة السرقة، و هو الآن يفاوض الشرطة لكي توفره له 700 ألف دولار و سيارة زيادة على اطلاق سراح رفيقه “كلارك أولوفسن”. و خلال ساعات، سلمت له الشرطة الأموال التي طلبها و رفيقه كلارك، اضافة لسيارة فورد موستانج زرقاء بخزان مملوء بالبنزين. لكن السلطات رفضت السماح له بالمغادرة رفقة الرهائن .

التغطية الإعلامية للقصة

هذا الحدث الدرامي شد انتباه العالم أجمع و ظهر على الصفحات الأولى للجرائد، و تمت تغطيته مباشرة في جميع أنحاء السويد . غمرت مقر الشرطة العديد من الإقتراحات، تراوحت بين ارسال فرقة موسيقية تتغنى بألحان دينية، الى اطلاق خلية نحل داخل البنك لإرغام المختطفين على الإستسلام .

الشرطة و الصحافة جنبا لجنب من سطح احد المباني المجاورة للبنك بمدينة ستوكهولم
الشرطة و الصحافة جنبا لجنب من سطح احد المباني المجاورة للبنك

في تلك الفترة و بعد رفض مطلبهم بالمغادرة رفقة الرهائن اخد أولسن و رفيقه الجديد في القضية أولوفسن الرهائن الى قبو ضيق تحت البنك، و هناك بدأ تتشكل رابطة قوية بين الآسرين و الرهائن . و تحكي احدى الرهائن و هي “كريستين انمارك” أنها عندما بدأت ترتجف قام اولسن بوضع سترته عليها، و هدأها عندما نهضت مفزوعة جراء حلم سيء، كما أنه أعطاها رصاصة من سلاحه كتذكار . “بريغيتا لوندبلاد” هي الأخرى قالت بأن المختطف واساها، عندما لم تستطع ربط الإتصال مع عائلتها عبر الهاتف. و قال لها : “حاولي مجددا، لا تستسلمي”.

توالي الأحداث

أما عندما اشتكت الرهينة الثالثة “اليزابيث اولدغرين” بأنها تهاب الأماكن المغلقة، سمح لها أولسن بالمشي خارج القبو بعد أن ربط حبلا بطول 30 قدما حول عنقها . و قالت أولدغرين لصحيفة “The New Yorker” بعدها بسنة : “أتذكر أنني فكرت أنه من اللطيف أن سمح لي بمغادرة القبو” . أما الرهينة الرابعة و هو “سفين سافستروم” فيقول: “عندما عاملنا بلطف، أصبحنا نفكر فيه كإله طوارئ” . 

صورة للرهائن من قبو البنك بمدينة ستوكهولم
صورة للرهائن من القبو

في اليوم الثاني، أصبح الرهائن متعاطفين مع مختطفيهم، و أصبح خوفهم الأول من الشرطة . فعندما سُمح لمفوض الشرطة بالدخول و الإطلاع على حالة الرهائن، لاحظ أنهم يبدون عداوة له في حين بدوا أكثر مرحا و أريحية مع الخاطفين . و عند خروجه أخبر الصحافة أنه قلق من يؤذي اولسن الرهائن بعد أن زادت تقثهم فيه بشكل كبير . 

كريستين انمارك احدى الرهائن أبدت تعاطفا كبيرا، أثار معه شك رجال الشرطة، بحيث اتصلت برئيس الوزراء السويدي “اولوف بالم” و ترجته أن يسمح لها بالمغادرة رفقة الخاطفين . و قالت “أنا أثق كليا في كلارك و السارق … أنا لست يائسة . هم لم يقوموا بأذيتنا . على العكس هم لطيفون جدا. لكن هل تعلم يا اولوف، أنا خائفة من أن يهاجم رجال الشرطة و يتسببون في قتلنا “

حتى بعد أن أظهر الخاطفون نوعا من العدوانية استمر تعاطف الرهائن معهم . فبعد أن هدد أولسن بأن يطلق النار على قدم ” سفين سافستروم ” في محاولة لإرهاب رجال الشرطة، أظهر هذا الأخير ارتياحه بحيث لن يُطلق أولسن النار سوى على ساقه، بعد أن يكون مخدرا بسبب الخمر و المهم انها لن تكون مميتة . أما “كريستين انمارك” فقد حاولت اقناع “سافستروم” بقولها : “سافستروم، انها فقط في القدم”. 

النهاية

في النهاية لم يتأدى أحد من الرهائن، و في ليلة الـ 28 من أغسطس، بعد 130 ساعة من الإحتجاز، قامت الشرطة برشق الغاز المسيل للدموع داخل القبو، ليستسلم الخاطفون بعدها مباشرة . و نادت الشرطة على الرهائن ليخرجوا أولا لكنهم قرروا الخروج و هم يحمون مختطفيهم . و في تلك اللحظة صاحت “انمارك” : “لا، يان و كلارك سيخرجون أولا، سوف تطلقون النار عليهم ان خرجنا أولا !”. 

رجلا شرطة يرتديان أقنعة غازية و يخرجان اريك اولسن من البنك
رجلا شرطة يرتديان أقنعة غازية و يخرجان اريك اولسن من البنك

في باب القبو تبادل الخاطفون و الرهائن الأحضان، القبلات و المصافحة . و عندما أمسك رجال الشرطة أولسن و أولفسون صاحت بريغيتا و اليزابيث : “لا تؤذوهم، هم لم يؤذونا” . في حين أُخدت انمارك على حمالة و في طريقها قالت مخاطبة أولفسن : “كلارك، سأراك قريبا”. 

هذا الإرتباط بين الضحايا و خاطفيهم حير الرأي العام و الشرطة، التي شكت في امكانية تواطؤ انمارك مع أولوفسن و أولسن في السرقة . الرهائن بدورهم كانوا حائرين في أنفسهم. مثلا في اليوم الموالي لإطلاق صراحهم، سئَلت اليزابيث اولدغرين طبيبا نفسيا عن حالتها قائلة : “هل هناك شيئ خاطئ فيَّ؟ لماذا لم أكرههم ؟” . 

قام الأطباء النفسيون بمقارنة سلوك صدمة القذيفة الذي يعايشه الجنود في الحروب و فسروا الأمر بأن الرهائن يصبحون مدينين عاطفيا لمختطفيهم، و ذلك لأنهم نجوا من الموت الذي كان من الممكن أن يلحقوه بهم . و بعد شهور من الحادث، أطلق الأطباء على هذه الحالة الغريبة متلازمة ستوكهولم تخليدا للحادث، و التي أصبحت جزءا من المعجم الشعبي بعد ذلك في قضية “باتي هيرزت” المذكورة سابقا . 

صورة حديثة لاريك اولسن منفذ الإحتجاز
صورة حديثة لاريك اولسن

حتى بعد أن نقل أولسن و اولوفسون للسجن، كان الرهائن يزورون آسريهم السابقين . و بعد مدة قصيرة، نقضت محكمة الإستئناف حكم أولفسون و خرج حرا. فيما بقي أولسن في السجن، ليخرج هو الآخر سنة 1980. مباشرة بعد خروجه، تزوج واحدة من النساء اللاتي كن يرسلن له رسائل تقدير و هو في السجن . انتقل الى تايلند سنة 2009 و هناك كتب سيرته الذاتية، و التي أسماها “متلازمة ستوكهولم” .

المصادر : 1 ، 2

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.