قصة مغربي قطع المحيط الأطلسي بقارب شراعي

MZY053

قصة مغربي، قصتنا تبدأ مع “فوزي محمد” القاطن بمدينة الدار البيضاء، ويعمل في مجال البناء، وبعد حياة مليئة بالصعاب قرر فوزي خوض غمار جديدة والهجرة إلى أمريكا وذلك للبحث على حياة جيدة، فجمع كمية من النقود من عمله وقرر الذهاب عن طريق قارب صغير (فلوكة) من أجل المغامرة، وبطبيعة الحال كان يخطر بباله السفر بالطريقة الشرعية، فقرر الذهاب إلى ميناء الصويرة لأخذ رخصة للقيام بالسفرية، لكن كان الرفض القاطع من إدارة الميناء وذلك لاستحالة العملية، بل ووصفها بالانتحار، وفي تلك الاثناء سمع أحد الأشخاص الحوار الذي دار بين فوزي وإدارة الميناء، وقرر التدخل في الأمر وإقناع إدارة الميناء.

وهذا الشخص هو البحار “العربي بابمار” والذي اقتنع على الفور بفكرة فوزي، لكن رد الإدارة كان نفسه، فالسفر إلى الولايات الأمريكية عبر الأطلسي أمر كان إستحالة على مر العصور وحتى بحارة كبار لم يتمكنوا من قطعه، فقد كان يسمى ببحر الظلمات، كان العربي بحارا ممتازا وقدى سنين كثيرة في البحر، ما يجعله الرفيق المناسب لفوزي في رحلته، تكلم الرفيقان عن فرص الرحلة واقتنعى أنها ممكنة الحدوث بتوفير الموارد اللازمة لها.

الدخول إلى الأطلسي مغامرة أم إنتحار

كان العربي كبير العمر نسبيا على فوزي، فكان يبلغ من العمر الأربعين، وقد كانت جل حياته داخل البحر، فهي مهنة ورثها من عائلته، أعلم عائلته الصغير وفئة قليلة من الأصدقاء برحلتهما، التي قررا خوض غمارها مسلحين بخبرة العربي التي استمدها من السنين التي قضاها في البحر، أما فوزي فقد تكلف بمصاريف الرحلة، من صناعة القارب، الأكل، الأجهزة الضرورية لسيرورة رحلتهنا، راديو، معدات الصيد. وقد ذهب العربي إلى أحد صناع القوارب ليصنع لهما قاربا خصيصا لهما، يتماشى وطبيعة الرحلة، وقد أدى فوزي مصاريف صناعة القارب الذي كان يتكون من شراعين. حدد الصديقان مدة الرحلة في 30 يوما، وهذا كان هدفهما الأساسي بلوغ الجاني الآخر من الأطلسي خلال شهر، وبما أنا العربي و فوزي لم يأخذا تسريحا من السلطات، قررا الإنطلاق في رحلتهما في أحد أيام العطلة، 20 غشت 1989. حيث أنه في هذا اليوم تكون إدارة الميناء متوقفة عن العمل.

قصة مغربي
صورة لعربي بابمار في وقتنا الحالي

أعلم العربي و فوزي العائلة والمقربين وهم فئة قليلة بالرحلة، اجتمعوا لتوديع المغامران، وهناك من قدم هدايا لهما من أكل، أو معدات تساعدهما في رحلتهما، ثم انطلقا في البحر حتى اختفت اليابسة عن أنظارهما، وفي هاته اللحظة فقط البحر على مرأى النظر، منظر سيلاحقهم لعدة أسابيع، فالرحلة ليست المغرب-إسبانيا أو المغرب-إيطاليا. بل نتحدث عن المغرب-أمريكا، طريق أخذت العالم قرون لقطعها بأساطيل مهيبة ممولة من الدولة، ها هو العربي بابمار (أو في هاته الحالة يصح أن نطلق عليه لقب راغنار) يخوض غمارها وصديقه فوزي محمد. قصة مغربي.

بداية الرحلة والهدوء الذي يسبق العاصفة

في بداية الرحلة، ومن اليوم الأول اتفق الصديقان بأن يقسما مراقبة القارب، فالعربي ليلا و فوزي نهارا، لكن مالبث العربي حتى إكتشف أن فوزي لا يفقه شيئا في سير القوارب داخل البحر فهو لم يكن بحارا بالمرة، فأصبح العربي يعلم فوزي كيفية التعامل مع الشراع، وأمور القارب، حتى تمكن منها، وكما قال العربي أن فوزي تعلم كل ذلك في أيام معدودة، وكذالك أكملا خطتهما في مراقبة الشراع، العربي ليلا و فوزي نهارا.

بعد مرور 3 أيام على الرحلة بدأ العربي يساوره الشك، بشأن نجاح هذه المغامرة، والشك تحول لخوف، لكنه أسر ذلك في نفسه ولم يبده لفوزي الذي كان متحمسا، وواثقا من قدراتهما على الوصول رغم عدم درايته بأمور الملاحة، طمأن العربي نفسه قائلا بأن الثلاتين يوما المخططة ستمر وسأجد نفسي في أرض الأحلام و الفرص، لكن الحقيقة أن الثلاتين يوما لم تكن ثلاتين أبدا.

مرور رحلة الصديقين لمنعرج لم يكن في الحسبان

قصة مغربي
مكان عمل لعربي

إستمر الصديقان على وثيرة المراقبة، فوزي يبحر نهارا و العربي ليلا. وقد واكبا على المشي فوق القارب لتجنب ضمور العضلات و تحسين الدورة الدموية. كما أن أكلهما كان مقسما على 30 يوما كما هو مخطط للرحلة. وقد توفرا على 90 لترا من الماء، مرت الأمور كما خطط له ولمدة شهر كامل. لكن بعد مرور الشهر لم تظهر أي علامات لليابسة في الأفق ومن ثم هلع المغامران. حيث أن الأكل بدأ ينفذ كذلك والماء، وما زاد الطين بلة. أن العربي لم يحمل معه أي بوصلة وكان يستخدم غروب الشمس لتحديد مساره. وهذا كان الخطأ الذي سيدفع به الثمن غال جدا، وللعلم أن استخدام الشمس لتحديد الإتجاهات هو أمر فعال نوعا ما. خصوصا على اليابسة حيث تكون المسافات في غالب الأمر قصيرة نوعا ما، لكن داخل المحيط نحن نتكلم عن آلاف الكيلومترات.

فالمسافة الفاصلة بين المغرب و أمريكا تبلغ تقريبا 8000 كيلومتر من المحيط. واستخدام الشمس لتحديد المواقع لن ينفع وعلى العكس تماما، لو استخدم العربي مواقع النجوم كان ليكون أسهل عليه، باعتبار أن هذه العملية دقيقة جدا، بل وكانت تستخدم في القديم من القوافل التجارية لتحديد المواقع، لكن يا صديقي العربي أنت في القرن العشرين، هناك إختراع اسمه “بوصلة” جيد جدا في تحديد الاتجاه ولا يكلف حتى دولارين، على العموم من الخطأ يتعلم الإنسان. قصة مغربي.

طرائف الرحلة

ومن الطرائف التي حدثت لهما، أن العربي و فوزي كانا يدخنان، وقد حملا معهما ما يكفي لشهر من السجائر. لكن نفذت لهما فاضطر الصديقان لتدخين حبوب الشاي “أتاي”. وكما قال العربي أن حبوب الشاي كانت جيدة للتدخين، وعلى العموم تمر الأيام ونبتعد عن الشهر الذي كان محددا، كانا ينتظرا بشغف رؤية اليابسة فقد تعبا من البحر ورؤية كل شيء أزرق، نفذ الأكل ثم الماء والعربي لا زال يتبع إتجاه الغروب، والهدف كان أمريكا، ذهب الحماس وأدرك الصديقان أن الصعب قادم، لدرجة التفكير في الموت، حيث قال العربي لصديقه كوصية في حال فارق الحياة أن يرمي جتثه في البحر، فهو عاش بحار ومن البحر.

في بداية الرحلة كان العربي يحفر الأيام في القارب، لكن بعد مرور الشهر فقد الأمل ولم يعد يدرك كم بقى في الماء، وأصبحت الأيام كلها تتشابه، فقد انتهى كل شيء من أكل وماء، ولم يبقى لهما سوى صنارة صيد و قليل من “لانشون” وهو الذي استعملاه كطعم لجذب الأسماك، وبعدها أصبحت الأسماك هي الطعم، وبما أن الصديقان لم يتوفرا على طريقة لطبخ الأسماك، لجأ العربي إلى تجفيفها لكي تصبر لأطول مدة ممكنة، وكذا تسهل في الأكل.

محنة توطد علاقة الصديقان

تتوالى الأيام، والملل السائد جعل الصديقان يتقربان أكثر من بعضهما، فيحكي كل واحد من هما على حياته الشخصية للأخر. فوزي بدأ يحكي عن قصته وكيف وصل لهنا، فوزي القاطن بمدينة الدار البيضاء كان عسكريا. وقد كان حاضرا في الإنقلاب العسكري على السلطة المغربية آنذاك. وقد حكم عليه بالسجن، وبعد قضاء مدته خرج ليصبح بناءا. وبعدما جمع شيئا من المال قرر كتابة فصل جديد من حياته. والقيام بهاته الرحلة، أما العربي فقد كان بحارا جيدا حيث أنه قضى جل حياته وهو في البحر. ورغم الخطأ الفاضح الذي ارتكبه في تحديد الاتجاه إلا أن ذلك مبررا باعتباره لم يخض أي رحلة خارج السواحل، فقد كان يعلم جيدا كيف يتعامل مع الأمواج والرياح، وقد دائما ما يخرج الصفن لبر النجاة، وحقيقة أنه وبعد مرور شهر داخل الماء دون الغرق يثبت ذلك. لكن في أحد الادأيام سيقع لهما حدث لم يتوقعاه البثة.

تغيرات

وهما يستعدان لتغيير مواقعهما و ليرتاح العربي، وهو يقوم بتمهيد الدفة لفوزي رأى في الأفق ضبابا كثيف. وأن الجو يتقلب بسرعة، أخبر فوزي أنه سيرتاح قليلا، وإذا حدث طارئ فليوقده. نام العربي، لكنه مالبث حتى استيقظ على صيحات فوزي، وجد العربي الرعب في عيني صديقه فأدرك هول مايحدث، وجد نفسه وسط عاصفة بريح قوي ومطر كثيف، يقول العربي أنه شعر بأن الريح سيحمل القارب للسماء، أدرك نفسه وأنزل الأشرعة وبدأ بالتجديف، يحاول تفادي الأمواج العاتية بشتى الطرق، وهدفه الأول هو عدم الغرق، وفي نفس الوقت يحمل فوزي دلو ماء ويفرغ المياه التي تعتري القارب، بقى الحال على ما عليه لساعات، وفي أحد اللحظات قال العربي لفوزي” في حال نجاتنا من هذا الهول لن يحدث لنا مكروه سنصل لوجهتنا بسلام”.

وقد استمر الأمر لحوالي 5 ساعات. ثم بدأ الجو في الإعتدال ولم يعلما ما إذا هربا من العاصفة أو أن العاصفة بالفعل انتهت. وفي تلك اللحظة أصبحت أيدي فوزي مليئة بالتقرحات من الماء والجهد المبذول في إفراغ المياه. وبعد هذا الحادث مرت أيام وهما تائهان في المحيط. في بعض الاحيان وفي الليل ينبثق ضوء بعيد للصفن، يصرخان للمساعدة لكن لا من مجيب. وفي مرة رأيا كتلة داخل الماء، فظنا أنها غواصة ثم جذفا إليها قبل أن يدركا أنه حوت عملاق. قصة مغربي.

بداية النهاية لرحلة ستخلد في التاريخ

فقد فوزي و العربي الأمل في النجاة، ولم يعلما كم مر على رحلتهما حتى أن فوزي بدأ يفقد القدرة على المشي، إلا بصعوبة بالغة، كان لديهما نقص حاد في الغداء والماء ولم يقدرا على مواصلة المسير، والأيام كلها تتكرر أزرق في أزرق، إلى صباح أحد الأيام حيث إستيقظ العربي ورأى فوزي تمشى إلى مقدمة القارب، الشيء الذي لم يحدث منذ مدة، فإذا به يلمح كتلة سوداء داكنة تشبه التي رأى في العاصفة، لكنه لم يتأكد من ذلك فربما تكون تلك هي اليابسة التي كانا يبحثان عنها بفارغ الصبر، أخذ العربي نفسا عميقا، وجهز الأشرعة للذهاب نحو تلك الكتلة راجيان الأمل الوحيد الذي يتوفران عليه، بدأ الصديقان يقتربان رويدا رويدا، إلى أن وجدا اليابسة! في تلك اللحظة دموع الفرع تغمر الصديقان اللذان عاشا الويلات من أجل تلك اليابسة. قصة مغربي.

قصة مغربي
الوجهة التقريبية لمسار الرحلة

وصول إلى الوجهة

في تلك اللحظة لم يدركا بعد، لكنهما وصلا لشمال البرازيل، في مكان إسمه غويانا أحد أقاليم ما وراء البحار الفرنسية. تقع على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية ولها حدود مع دولتي البرازيل وسورينام. وقد كان سكان تلك المدينة يتحدثون الفرنسية ما سهل على بطلينا التواصل معهم. أما في الوهلة الأولى لم يصدق سكان غويانا أن مغربيان قطعا الحيط الأطلسي بواسطة قارب شراعي. لكن بعد التأكد من ذلك، ذهبوا بهما للمستشفى لتلقي العلاج. وهناك حيث شرحوا لبطلينا أنهما قطعا مدة 100 يوم تقريبا وسط البحر، أي ضعفي المدة التي حددتها. و قد إنحرفا عن مسارهما بشكل كبير عن المسار المحدد وذلك لسوء تقديرات صديقنا العربي.

قصة مغربي، بشرا عائلتيهما بأنهما على قيد الحياة، والأقرباء في مدينتي الصويرة و الدار البيضاء فرحوا للأخبار. جلس فوزي والعربي في مدينة غويانا لمدة عام تقريبا، ليعملا في البناء بالنسبة لفوزي، و الإبحار للعربي. لكنهما إشتاقى لعائلاتهما، ورجعا إلى بلدهما الأم المغرب ليعيشا ما تبقى من عمرهما. العربي و فوزي فعلا شيئا قلة قليلة من الأشخاص إستطاعوا فعله، وستذكرهم كتب التاريخ على شجاعتهما وبسالتهما التي تمتعا بها أثناء رحلتها، وقد تم توثيق قصتهما في كتاب بإسم الإمتداد الأزرق، الكتاب صدر شهر ماي 2013.  ولازال العربي إلى الأن في الصويرة يعمل بحارا، أما فوزي فقد توفى رحمه الله و غفر له.







المصادر 1. 2.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *